المبشر بن فاتك
311
مختار الحكم ومحاسن الكلم
ولما فرغ الحكماء من كلامهم أمرت بالتابوت فدفن بالإسكندرية . ثم صنعت طعاما كما أمرها الإسكندر في كتابه إليها ، وأحضرت لها النساء . فلما وضع الطعام بين أيديهن أقسمت عليهن أن لا تأكل من طعامها امرأة دخل بيتها حزن ، أو أصابتها مصيبة . فلما سمعن ذلك أمسكن عن الطعام وقلن : « كلنا قد دخل بيوتنا الحزن وأصابتنا المصائب » . فقالت « 1 » : « ما لي أرى النساء حيارى ! إني لأظن البلاء والحزن قد دخل عليهن أجمعين مثل ما دخل علىّ . قد ولّت الدنيا عنى ، وهدّ الوهن ركنى ، وأذعنت بحلول الزوال علىّ ؛ والدوام لبارئ الكل الحي الذي لا يموت ولا يزول ولا يفنى . وكل مرضعة فللموت تربّى ، وللفناء تغدو ، وإلى الثكل تصير . فما العوض من فراق الحبيب وثمرة القلب ومنى النفس ! ؟ ما أرى أن في الدنيا وطنا ولا مقرا بعد هلاكه ، إلا بأن أهيم مع الوحوش ، إلى أن يكرمني « 2 » اللّه باللحوق بدار الحبيب » . وملك وله تسع عشرة سنة . وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة وكسرا : منها تسع سنين محارب ، وثماني سنين مطمئن بغير حرب . وغلب اثنين وعشرين أمة ، وثلاث عشرة عشيرة من عشائره . ويقال إنه في ذهابه من المغرب إلى المشرق طاف الدنيا في سنتين . ولم يلبث بعد غلبته لدارا إلا ست سنين وكسرا . وكانت عدة جيشه ثلاثمائة ألف وعشرين ألفا من المقاتلة سوى الأتباع . وكان الإسكندر أشقر ، أنمش ، أزرق ، لطيف الخلقة . مات وله ست وثلاثون سنة . وكان له يشبه أباه ولا أمه في الصورة . وكانت عيناه مختلفتين : إحداهما شديدة الزرقة ، والأخرى تميل إلى السواد ، وإحداهما تنظر « 3 » إلى فوق والأخرى « 3 » تنظر إلى الأسفل . وكانت أسنانه دقيقة حادّة الرؤوس . وكان وجهه كوجه الأسد . وكان شجاعا جريئا على الحروب منذ صباه .
--> ( 1 ) ح ، ص : فقالت زوقيا . ( 2 ) ح ، ص : الباري . ( 3 - 3 ) ما بينها ناقص في ح ، ص .